الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
191
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 184 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 184 ] وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ( 184 ) أكد قوله في صدر خطابه فَاتَّقُوا اللَّهَ [ الشعراء : 179 ] بقوله هنا : وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ وزاد فيه دليل استحقاقه التقوى بأن اللّه خلقهم وخلق الأمم من قبلهم ، وباعتبار هذه الزيادة أدخل حرف العطف على فعل اتَّقُوا ولو كان مجرد تأكيد لم يصح عطفه . وفي قوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ إيماء إلى نبذ اتقاء غيره من شركائهم . و الْجِبِلَّةَ : بكسر الجيم والباء وتشديد اللام : الخلقة ، وأريد به المخلوقات لأن الجبلة اسم كالمصدر ولهذا وصف ب الْأَوَّلِينَ . وقيل : أطلق الجبلة على أهلها ، أي وذوي الجبلة الأولين . والمعنى : الذي خلقكم وخلق الأمم قبلكم . [ 185 - 188 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 185 إلى 188 ] قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 188 ) نفوا رسالته عن اللّه كناية وتصريحا فزعموه مسحورا ، أي مختل الإدراك والتصورات من جرّاء سحر سلط عليه . وذلك كناية عن بطلان أن يكون ما جاء به رسالة عن اللّه . وفي صيغة مِنَ الْمُسَحَّرِينَ من المبالغة ما تقدم في قوله : مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ الشعراء : 116 ] مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [ الشعراء : 153 ] مِنَ الْمُخْرَجِينَ [ الشعراء : 167 ] . والإتيان بواو العطف في قوله : وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يجعل كونه بشرا إبطالا ثانيا لرسالته . وترك العطف في قصة ثمود يجعل كونه بشرا حجة على أن ما يصدر منه ليس وحيا على اللّه بل هو من تأثير كونه مسحورا . فمآل معنيي الآيتين متّحد ولكن طريق إفادته مختلف وذلك على حسب أسلوب الحكايتين . وأطلق الظن على اليقين في وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ وهو إطلاق شائع كقوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] ، وقرينته هنا دخول اللام على المفعول الثاني ل ( ظنّ ) لأن أصلها لام قسم . و إِنْ مخففة من الثقيلة ، واللام في لَمِنَ الْكاذِبِينَ اللام الفارقة ، وحقها أن تدخل على ما أصله الخبر فيقال هنا مثلا : وإن أنت لمن الكاذبين ، لكن العرب توسعوا في المخففة فكثيرا ما يدخلونها على الفعل الناسخ لشدة اختصاصه بالمبتدإ والخبر فيجتمع